ANN035

الأيام الثلاثة والليالي الثلاث

يستكشف المقال لغز «الأيام الثلاثة والليالي الثلاث» ليسوع، مقترحًا اعتبار الظلمة التي حلّت أثناء الصلب «الليلة الثالثة». ومن شأن ذلك أن يوفّق بين الرواية الإنجيلية وقراءة رمزية ولاهوتية. ويدرس الكاتب قصة يونان ليفهم ما تعنيه هذه الأيام.

135 دقيقة يسوع الصلب الأيام الثلاثة والليالي الثلاث الظلمة 176 آية 91 سفرًا

لمزيد من المعلومات

مقدمة

كيف ينبغي فهم إعلان يسوع في إِنْجِيلُ مَتَّى 12.40؟ ماذا تمثّل هذه «الأيام الثلاثة والليالي الثلاث» التي ذكرها الرب إشارةً إلى النبي يونان؟

تدعو عدة عناصر إلى النظر في هذه القراءة:

  • تشهد الأناجيل بظاهرة ظلمة تامة في وضح النهار، دامت ثلاث ساعات في قلب الصلب. ليست هذه كسوفًا عاديًا ولا ظاهرة جوية مألوفة؛ إنها آية إلهية ومعجزة نقبلها كواقعة تاريخية دون البحث عن تفسير عقلاني — لأن من طبيعة المعجزة بالذات أن تفوق العقل البشري. (إِنْجِيلُ مَتَّى 27.45)
  • في الاستعمال الكتابي، تدل «الليلة» على الظلمة والدينونة واحتجاب النور. وظلمة الظهيرة تندرج في هذا الإطار الرمزي واللاهوتي: فهي تُظهر الحداد الكوني والدينونة الإلهية في اللحظة التي يحمل فيها ابن الله خطية العالم. (عَامُوس 8.9: «وَيَكُونُ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ أَنِّي أُغْرِبُ الشَّمْسَ فِي الظَّهِيرَةِ وَأُقْتِمُ الأَرْضَ فِي يَوْمِ نُورٍ.»)
  • نقترح أن الله أرسل هذه الليلة الاستثنائية، من بين أسباب أخرى، ليستر عري ابنه على الصليب — وهو عمل رحمة وحياء إلهي — وأن يسوع أسلم الروح قبل انتهاء هذه الظلمة. فإذا حدث الموت أثناء هذه «الليلة» العجيبة، جاز عدّها عن حق ضمن حساب «الليالي الثلاث».
  • يسوع نفسه، في مناسبات أخرى، يذكر مدة «ثلاثة أيام» في ارتباط بموته وقيامته، ولا سيما بشأن «بناء الهيكل» (إِنْجِيلُ يُوحَنَّا 2.19-21). وتماسك تعليمه يدعو إلى البحث عن توفيق يحترم حرفية متى 12.40 والتسلسل الزمني للفصح معًا.

المنهج والأهداف

سنتناول في هذه الدراسة:

1- نص يونان لنفهم جيدًا ما تعنيه «الأيام الثلاثة والليالي الثلاث» في سياقها الأصلي. (يُونَان 1.15-16، يُونَان 2.10)

2- التفاصيل التي يقدّمها كل إنجيلي عن الآلام والموت والدفن وقيامة يسوع. وسنجتهد في فهم المعنى الدقيق لأقوالهم، مع الانتباه إلى أن غايتهم لم تكن قط تحديد تسلسل زمني صارم، بل شرح أحداث جوهرية في نظرهم. (متى 27-28 ؛ مرقس 15-16 ؛ لوقا 23-24 ؛ يوحنا 19-20)

3- البعد اللاهوتي والرمزي لظلمة الظهيرة، وإمكانية إدخالها في حساب «الليالي الثلاث».

نؤمن، كما أشرنا مرارًا في دراسات مختلفة، بأن جميع المعلومات التي نقلها الإنجيليون دقيقة تمام الدقة. فحين يذكر متى «ظلمة على كل الأرض»، نقبل ذلك كواقعة تاريخية دون أن نطلب تفسيرًا طبيعيًا. ومن البديهي أن هذه الظلمة ليست ليلًا زمنيًا عاديًا بالمعنى التقويمي؛ لكن، ألا يمكننا أن نعدّها «ليلة» بمعنى الحساب النبوي؟

هذه هي الفرضية التي سنمتحنها على ضوء النصوص، ساعين إلى إكرام الدقة التفسيرية والتماسك اللاهوتي لشهادة الكتاب معًا.

انتقال: سيدرس الفصل الأول قصة يونان، النموذج الرمزي لـ«الآية» التي أعلنها يسوع، لتحديد ما تنطوي عليه عبارة «ثلاثة أيام وثلاث ليال» في سياقها الخاص بالعهد القديم. (يُونَان 1.15-16 ؛ إِنْجِيلُ مَتَّى 12.40)

1.1. السياق السردي: عصيان يونان وهروبه

I. يونان: النموذج الرمزي لـ«الأيام الثلاثة والليالي الثلاث»

  • يأمر يونان بالذهاب إلى نينوى ليعلن فيها رسالة دينونة. (يُونَان 1.1-2)
  • يرفض يونان ويهرب «مِنْ وَجْهِ »، ويركب سفينة متجهة إلى ترشيش. (يُونَان 1.3)
  • تهبّ على السفينة عاصفة عنيفة؛ فيلقي البحارة المذعورون يونان في البحر بعد أن أقرّ بمسؤوليته. (يُونَان 1.4-15)

ملاحظة:

  • هروب يونان وابتلاع البحر له يرمزان مسبقًا، في القراءة الرمزية المسيحية، إلى نزول المسيح إلى الموت — لا عن عصيان، بل بطاعة كاملة للآب. (رِسَالَةُ بُولُسَ ٱلرَّسُولِ إِلَى أَهْلِ فِيلِبِّي 2.8)

1.2. المكوث في بطن السمكة: «ثلاثة أيام وثلاث ليال»

النص الرئيسي:

  • «وَأَعَدَّ حُوتًا عَظِيمًا لِيَبْتَلِعَ يُونَانَ، فَكَانَ يُونَانُ فِي جَوْفِ الْحُوتِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ وَثَلاَثَ لَيَالٍ.» (يُونَان 1.17 ؛ في بعض الترجمات: يُونَان 1.17)

تحليل:

  • تدل عبارة «ثلاثة أيام وثلاث ليال» على مدة معتبرة من المكوث في مكان موت ظاهري: أحشاء الوحش البحري في قعر البحر.
  • يصف يونان نفسه هذه التجربة بأنها نزول إلى عالم الأموات: «دَعَوْتُ مِنْ ضِيقِي الرَّبَّ... مِنْ جَوْفِ الْهَاوِيَةِ صَرَخْتُ فَسَمِعْتَ صَوْتِي... طَرَحْتَنِي فِي الْعُمْقِ فِي قَلْبِ الْبِحَارِ.» (يُونَان 2.2-3)
  • يقول إن «مَغَالِيقَ الأَرْضِ» أُغلقت عليه «إِلَى الأَبَدِ»، قبل أن يُصعد حياته «مِنَ الْوَهْدَةِ». (يُونَان 2.6)

ملاحظة:

  • يعمل بطن السمكة كقبر مؤقت: مكان للظلمة والانفصال عن عالم الأحياء، لكنه أيضًا مكان تصعد منه الصلاة إلى الله وتُهيَّأ فيه النجاة.

1.3. النجاة: القذف إلى اليابسة

  • عند انقضاء الأيام الثلاثة والليالي الثلاث، «أَمَرَ الْحُوتَ فَقَذَفَ يُونَانَ إِلَى الْيَابِسَةِ.» (يُونَان 2.10)
  • يونان، الذي خرج حيًّا من الوحش البحري، يتلقى للمرة الثانية الأمر بالذهاب إلى نينوى. (يُونَان 3.1-2)

ملاحظة:

  • خروج يونان من السمكة صورة للقيامة: فمن كان مبتلَعًا محتجزًا في مكان موت، يُرَدّ إلى الحياة وإلى رسالته النبوية.

1.4. معنى عبارة «ثلاثة أيام وثلاث ليال» في السياق العبري

  • في العبرية الكتابية، تؤكد عبارة «أيام وليال» (יָמִים וּשְׁלֹשָׁה לֵילוֹת) شمولية الفترة واستمراريتها، لا حسابًا دقيقًا بالساعات.
  • ونجد تشابهًا لافتًا في سفر إستير: تطلب الملكة صومًا «ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ لَيْلًا وَنَهَارًا»، ومع ذلك تمثل أمام الملك «فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ». (أَسْتِير 4.16، أَسْتِير 5.1)
  • يبيّن هذا التوازي مرونة الصيغة: فـ«ثلاثة أيام وثلاث ليال» قد تدل على فترة تمتد على ثلاثة أيام دون اشتراط 72 ساعة كاملة.

ملاحظة:

  • يتيح التعبير السامي قراءة شاملة: فكل جزء من اليوم يمكن عدّه «يومًا»، وذكر «الليالي» يعزز فكرة الشمولية أكثر مما يفرض حسابًا جامدًا.

1.5. يونان كـ«آية» نبوية

  • يسوع نفسه يقيم الرابط الرمزي: «جِيلٌ شِرِّيرٌ وَفَاسِقٌ يَطْلُبُ آيَةً، وَلاَ تُعْطَى لَهُ آيَةٌ إِلاَّ آيَةُ يُونَانَ النَّبِيِّ. لأَنَّهُ كَمَا كَانَ يُونَانُ فِي بَطْنِ الْحُوتِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ وَثَلاَثَ لَيَالٍ، هكَذَا يَكُونُ ابْنُ الإِنْسَانِ فِي قَلْبِ الأَرْضِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ وَثَلاَثَ لَيَالٍ.» (إِنْجِيلُ مَتَّى 12.39-40 ؛ قارن إِنْجِيلُ لُوقَا 11.29-30)
  • فـ«آية يونان» إذن هي موت المسيا ودفنه وقيامته، التي رمز إليها ابتلاع النبي ونجاته.

ملاحظة:

  • وظيفة هذا التوازي رمزية ونبوية: يونان يشير إلى المسيح؛ وبطن السمكة يرمز إلى القبر؛ والخروج حيًّا يرمز إلى القيامة.

1.6. «الأيام الثلاثة والليالي الثلاث» ليونان: أي ليالٍ؟

إذا تأملنا قصة يونان بدقة، يُطرح السؤال: أي «ليالٍ» تدخل في هذه الأيام الثلاثة؟

  • يُلقى يونان في البحر في قلب العاصفة، على الأرجح نهارًا (فقد حاول البحارة التجديف نحو اليابسة، وهذا يفترض وجود رؤية). (يُونَان 1.13)
  • لا يحدد النص الساعة الدقيقة للابتلاع ولا للنجاة.
  • تعمل عبارة «ثلاثة أيام وثلاث ليال» ككتلة اصطلاحية تدل على كامل مدة المكوث، دون تفصيل بداية كل ليلة ونهايتها.

ملاحظة:

  • لا يقدّم نص يونان تسلسلًا زمنيًا بالساعات؛ بل ينصبّ التركيز على حقيقة المكوث في مكان موت ظاهري وعلى النجاة الإلهية التي تتبعه.

1.7. خلاصة: يونان مفتاحًا لقراءة متى 12.40

  • تقيم قصة يونان صورة: رجل ابتلعه مكان موت، وبقي فيه «ثلاثة أيام وثلاث ليال»، ثم أُعيد حيًّا إلى رسالته.
  • عبارة «ثلاثة أيام وثلاث ليال» اصطلاح للشمولية، لا ساعة توقيت.
  • يستعيد يسوع هذه الصورة ليعلن موته هو، ومكوثه في القبر، وقيامته.
  • والسؤال المطروح بشأن آلام المسيح هو إذن: كيف تتيح الأناجيل إيجاد هذا النمط من «ثلاثة أيام وثلاث ليال»، وما الدور الذي يمكن أن تؤديه ظلمة الصلب الاستثنائية في هذا الحساب؟

انتقال: سيدرس الفصل 2 إعلانات يسوع عن موته وقيامته، وكذلك الصيغ المختلفة («في اليوم الثالث»، «بعد ثلاثة أيام»، «ثلاثة أيام وثلاث ليال»)، لتوضيح ترابطها ومدى دلالتها. (إِنْجِيلُ مَتَّى 12.40 ؛ إِنْجِيلُ مَتَّى 16.21 ؛ إِنْجِيلُ مَرْقُسَ 8.31 ؛ إِنْجِيلُ يُوحَنَّا 2.19-21)

2.1. الإعلانات الأولى عن الآلام

II. إعلانات يسوع: «في اليوم الثالث» و«بعد ثلاثة أيام» و«ثلاثة أيام وثلاث ليال»

في مناسبات عدة، يعلن يسوع لتلاميذه أنه سيُقتل ثم يقوم.

ومن أشهر الصيغ:

  • «مِنْ ذلِكَ الْوَقْتِ ابْتَدَأَ يَسُوعُ يُظْهِرُ لِتَلاَمِيذِهِ أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَذْهَبَ إِلَى أُورُشَلِيمَ، وَيَتَأَلَّمَ كَثِيرًا الشُّيُوخِ وَرُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَالْكَتَبَةِ، وَيُقْتَلَ، وَفِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ يَقُومَ.» (إِنْجِيلُ مَتَّى 16.21)
  • «إِنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ يَنْبَغِي أَنْ يَتَأَلَّمَ كَثِيرًا، وَيُرْفَضَ مِنَ الشُّيُوخِ وَرُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَالْكَتَبَةِ، وَيُقْتَلَ، وَبَعْدَ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ يَقُومَ.» (إِنْجِيلُ مَرْقُسَ 8.31)
  • «ابْنُ الإِنْسَانِ سَوْفَ يُسَلَّمُ إِلَى أَيْدِي النَّاسِ، فَيَقْتُلُونَهُ، وَفِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ يَقُومُ.» (إِنْجِيلُ مَتَّى 17.22-23 ؛ إِنْجِيلُ لُوقَا 9.22)

ملاحظة:

ينقل الإنجيليون أحيانًا أقوال يسوع بصيغة «في اليوم الثالث»، وأحيانًا بصيغة «بعد ثلاثة أيام». ومع ذلك فجميعهم يصفون الحدث التاريخي نفسه: قيامة المسيا يسوع.

2.2. «في اليوم الثالث» و«بعد ثلاثة أيام»

يرى بعض النقاد أن هذين التعبيرين متعارضان.

والواقع أنهما ينتميان إلى طريقة التعبير السامية الشائعة في القرن الأول.

وهكذا:

  • «في اليوم الثالث» (إِنْجِيلُ مَتَّى 16.21 ؛ إِنْجِيلُ لُوقَا 24.7) ؛
  • «بعد ثلاثة أيام» (إِنْجِيلُ مَرْقُسَ 8.31 ؛ إِنْجِيلُ مَرْقُسَ 9.31) ؛

يدلان على الفترة نفسها.

ويظهر هذا التكافؤ بوضوح أثناء محاكمة يسوع.

يقول شهود الزور:

  • «أَنَا أَقْدِرُ أَنْ أَنْقُضَ هَيْكَلَ اللهِ وَفِي ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ أَبْنِيهِ.» (إِنْجِيلُ مَتَّى 26.61)

بينما ينقل يوحنا:

  • «انْقُضُوا هذَا الْهَيْكَلَ، وَفِي ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ أُقِيمُهُ.» (إِنْجِيلُ يُوحَنَّا 2.19)

وبعد آيات قليلة، يوضح يوحنا أن يسوع كان يتكلم عن هيكل جسده (إِنْجِيلُ يُوحَنَّا 2.21).

وكذلك يقول رؤساء الدين لبيلاطس:

  • «ذلِكَ الْمُضِلُّ قَالَ وَهُوَ حَيٌّ: إِنِّي بَعْدَ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ أَقُومُ.» (إِنْجِيلُ مَتَّى 27.63)

ثم يطلبون حراسة القبر:

  • «إِلَى الْيَوْمِ الثَّالِثِ» (إِنْجِيلُ مَتَّى 27.64)

ملاحظة:

وفي سياق واحد، يستعمل «بعد ثلاثة أيام» و«إلى اليوم الثالث» دون تمييز، دليلًا على أنهم فهموا هذين التعبيرين على أنهما متكافئان.

2.3. الشهادة المتفقة للإنجيليين

تضع روايات القيامة كلها الحدث في أول يوم من الأسبوع.

  • (إِنْجِيلُ مَتَّى 28.1-6)
  • (إِنْجِيلُ مَرْقُسَ 16.1-6)
  • (إِنْجِيلُ لُوقَا 24.1-7)
  • (إِنْجِيلُ يُوحَنَّا 20.1-18)

يصرّح تلميذا عمواس في اليوم نفسه:

  • «وَلكِنْ مَعَ هذَا كُلِّهِ، اليَوْمَ لَهُ ثَلاَثَةُ أَيَّامٍ مُنْذُ حَدَثَ ذلِكَ.» (إِنْجِيلُ لُوقَا 24.21)

هذا التأكيد بالغ الأهمية.

فبما أن الأحداث بدأت يوم الجمعة، يعدّ التلميذان يوم الأحد «اليوم الثالث»:

1- الجمعة: اليوم الأول؛

2- السبت: اليوم الثاني؛

3- الأحد: اليوم الثالث.

ملاحظة:

وهذه الطريقة في العدّ توافق تمامًا الحساب اليهودي الشامل، حيث يمكن عدّ أي جزء من اليوم يومًا كاملًا.

2.4. صعوبة خاصة: «الليالي الثلاث»

إذا كانت تعبيرات «في اليوم الثالث» و«بعد ثلاثة أيام» تنسجم بطبيعتها، فإن صيغة إِنْجِيلُ مَتَّى 12.40 تبقى أكثر تحديدًا:

«لأَنَّهُ كَمَا كَانَ يُونَانُ فِي بَطْنِ الْحُوتِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ وَثَلاَثَ لَيَالٍ، هكَذَا يَكُونُ ابْنُ الإِنْسَانِ فِي قَلْبِ الأَرْضِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ وَثَلاَثَ لَيَالٍ.»

في الفرضية التقليدية لصلب يوم الجمعة بعد الظهر وقيامة صباح الأحد، يمكننا أن نحدد:

  • جزءًا من يوم الجمعة؛
  • يوم بأكمله؛
  • جزءًا من يوم الأحد.

فحساب الأيام الثلاثة لا يطرح إذن أي صعوبة.

أما الليالي، فيبدو أن ليلتين تقويميتين فقط تظهران:

  • ليلة الجمعة إلى السبت؛
  • ليلة السبت إلى الأحد.

ويصبح السؤال مشروعًا:

كيف نفهم الذكر الصريح لـ«الليالي الثلاث»؟

2.5. عبارة فريدة في أقوال يسوع

تجدر الملاحظة أن يسوع لا يستعمل العبارة الكاملة «ثلاثة أيام وثلاث ليال» إلا مرة واحدة في ارتباط بقيامته: (إِنْجِيلُ مَتَّى 12.40).

وفي جميع الإعلانات الأخرى، يستعمل صيغًا أبسط:

  • «في اليوم الثالث»؛
  • «بعد ثلاثة أيام»؛
  • «في ثلاثة أيام».

وهذه الفرادة تستحق الانتباه.

على الأرجح لا يسعى متى إلى تقديم حساب زمني مفصّل. فهدفه الرئيسي هو إقامة توازٍ بين خبرة يونان وخبرة المسيح.

ومحور الآية يكمن في الموت الذي تعقبه نجاة معجزية، كما أُعيد يونان حيًّا بعد مكوثه في الأعماق.

ملاحظة:

ويجب أخذ الطابع الرمزي للمقطع في الحسبان قبل أي محاولة لحساب دقيق بالساعات.

2.6. مسار أول للتأمل

تروي الأناجيل أنه قبل موت يسوع، غطّت ظلمة فائقة للطبيعة الأرض مدة ثلاث ساعات:

  • «وَمِنَ السَّاعَةِ السَّادِسَةِ كَانَتْ ظُلْمَةٌ عَلَى كُلِّ الأَرْضِ إِلَى السَّاعَةِ التَّاسِعَةِ.» (إِنْجِيلُ مَتَّى 27.45)
  • (إِنْجِيلُ مَرْقُسَ 15.33)
  • (إِنْجِيلُ لُوقَا 23.44-45)

وتحدث هذه الظلمة مباشرة قبل موت المسيح.

والحال أن الليل، في الفكر الكتابي، يُعرَّف قبل كل شيء بغياب النور (اَلتَّكْوِينُ 1.5). كما تشكل الظلمة رمزًا متكررًا لدينونة الله (اَلْخُرُوجُ 10.21-23 ؛ عَامُوس 8.9).

ومن غير الادعاء بأنها ليلة تقويمية عادية، يحق لنا أن نتساءل: ألا تشارك فترة الظلمة الاستثنائية هذه، بطريقة خاصة، في «آية يونان» التي أعلنها يسوع؟

فهذه الفرضية تستحق إذن أن تُفحص على ضوء روايات الآلام.

خلاصة الفصل 2

  • تُستعمل التعبيرات «في اليوم الثالث» و«بعد ثلاثة أيام» و«في ثلاثة أيام» بالتبادل في الأناجيل.
  • ويفسّر الحساب اليهودي الشامل بصورة طبيعية القيامة يوم الأحد بعد صلب يوم الجمعة.
  • تتعلق الصعوبة الرئيسية بذكر «الليالي الثلاث» في إِنْجِيلُ مَتَّى 12.40.
  • وترد هذه الصيغة في سياق رمزي قائم على آية يونان.
  • وتشكل ظلمة الصلب الفائقة للطبيعة عنصرًا خاصًا يستحق الدراسة في إطار هذه المسألة.

انتقال: سيدرس الفصل 3 بالتفصيل روايات الصلب لتحديد التسلسل الزمني للأحداث بدقة، من ظلمة الساعة السادسة حتى وضع المسيا يسوع في القبر (إِنْجِيلُ مَتَّى 27.45-61 ؛ إِنْجِيلُ مَرْقُسَ 15.33-47 ؛ إِنْجِيلُ لُوقَا 23.44-56 ؛ إِنْجِيلُ يُوحَنَّا 19.28-42).

III. ظلمة الصلب والتسلسل الزمني للآلام

بعد أن درسنا مختلف إعلانات يسوع عن موته وقيامته، يحسن بنا الآن أن ندرس أحداث الصلب نفسها. فالأناجيل الأربعة تروي أن ظلمة استثنائية غطّت الأرض عدة ساعات قبل موت المسيح. وهذه المعطى، الذي كثيرًا ما يُنظر إليه من جانبه اللاهوتي وحده، قد يؤدي أيضًا دورًا مهمًا في فهم عبارة «ثلاثة أيام وثلاث ليال» (إِنْجِيلُ مَتَّى 12.40).

7.1. ما تؤكده الأناجيل بيقين

3.1. الشهادة المتقاربة للأناجيل

يذكر ثلاثة إنجيليين صراحة الظلمة التي رافقت الصلب.

يكتب متى:

«وَمِنَ السَّاعَةِ السَّادِسَةِ كَانَتْ ظُلْمَةٌ عَلَى كُلِّ الأَرْضِ إِلَى السَّاعَةِ التَّاسِعَةِ.» (إِنْجِيلُ مَتَّى 27.45)

ويروي مرقس الواقعة نفسها:

«وَلَمَّا كَانَتِ السَّاعَةُ السَّادِسَةُ كَانَتْ ظُلْمَةٌ عَلَى الأَرْضِ كُلِّهَا إِلَى السَّاعَةِ التَّاسِعَةِ.» (إِنْجِيلُ مَرْقُسَ 15.33)

ويضيف لوقا تفصيلًا آخر:

«وَكَانَ نَحْوُ السَّاعَةِ السَّادِسَةِ، فَكَانَتْ ظُلْمَةٌ عَلَى الأَرْضِ كُلِّهَا إِلَى السَّاعَةِ التَّاسِعَةِ. وَأَظْلَمَتِ الشَّمْسُ.» (إِنْجِيلُ لُوقَا 23.44-45)

ملاحظة:

الروايات الثلاث مستقلة لكنها متقاربة تمامًا. ولا يقدّم أي إنجيلي هذه الظلمة كظاهرة عادية. بل جميعهم يصفونها كحدث استثنائي وقع في اللحظة التي أتمّ فيها يسوع ذبيحته.

3.2. ظلمة فائقة للطبيعة

اقتُرحت محاولات عدة لتفسير هذه الظلمة:

  • كسوف للشمس؛
  • ظاهرة جوية؛
  • عاصفة رملية؛
  • غيوم كثيفة.

غير أن عدة عناصر تجعل هذه الفرضيات غير مقنعة.

أولًا، يقع الفصح اليهودي في اكتمال القمر (اَلْخُرُوجُ 12.6 ؛ اَللَّاوِيِّينَ 23.5). ومن ثمّ يستحيل كسوف شمسي طبيعي، إذ يتطلب ذلك قمرًا جديدًا.

ثانيًا، لا تقدّم الأناجيل هذا الحدث كظاهرة طبيعية، بل كآية إلهية مرتبطة بموت المسيا.

ثالثًا، إن المدة المذكورة لافتة للغاية: نحو ثلاث ساعات.

ملاحظة:

وفي المنظور الكتابي، لا حاجة إلى البحث عن تفسير طبيعي لهذا الحدث. فالكتّاب الملهمون يقدمونه كتدخل إلهي يرافق لحظة فريدة في تاريخ الخلاص.

3.3. الظلمة في العهد القديم

يتكرر في الكتب المقدسة الربط بين الظلمة والدينونة الإلهية.

في الضربة التاسعة على مصر:

«فَقَالَ لِمُوسَى: مُدَّ يَدَكَ نَحْوَ السَّمَاءِ لِيَكُونَ ظَلاَمٌ عَلَى أَرْضِ مِصْرَ.» (اَلْخُرُوجُ 10.21)

ويعلن النبي عاموس:

«وَيَكُونُ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ، يَقُولُ السَّيِّدُ ، إِنِّي أُغْرِبُ الشَّمْسَ فِي الظَّهِيرَةِ وَأُقْتِمُ الأَرْضَ فِي يَوْمِ نُورٍ.» (عَامُوس 8.9)

ويستعمل إشعياء أيضًا الظلمة رمزًا لدينونة الله:

«وَتُظْلِمُ الأَرْضُ.» (إِشَعْيَاءَ 5.30)

ملاحظة:

وبالنسبة إلى القراء اليهود في القرن الأول، كانت الظلمة الفائقة للطبيعة في منتصف النهار توحي فورًا بتدخل إلهي أو دينونة أو ظهور خاص لله.

3.4. الظلمة في اللحظة التي يحمل فيها المسيح الخطية

بحسب لاهوت العهد الجديد، يحمل يسوع حينئذ خطايا العالم.

  • «هُوَذَا حَمَلُ اللهِ الَّذِي يَرْفَعُ خَطِيَّةَ الْعَالَمِ.» (إِنْجِيلُ يُوحَنَّا 1.29)
  • «لأَنَّهُ جَعَلَ الَّذِي لَمْ يَعْرِفْ خَطِيَّةً، خَطِيَّةً لأَجْلِنَا.» (رِسَالَةُ بُولُسَ ٱلرَّسُولِ ٱلثَّانِيةُ إِلَى أَهْلِ كُورِنْثُوسَ 5.21)
  • «الَّذِي حَمَلَ هُوَ نَفْسُهُ خَطَايَانَا فِي جَسَدِهِ عَلَى الْخَشَبَةِ.» (رِسَالَةُ بُطْرُسَ ٱلرَّسُولِ ٱلْأُولَى 2.24)

فلا عجب إذن أن يبدو الخلق نفسه متفاعلًا مع هذا الحدث.

وقد رأى بعض المفسرين في هذه الظلمة التعبير المرئي عن الدينونة التي احتملها المسيح عوضًا عن البشر.

ويرى فيها آخرون علامة حداد كوني أمام موت ابن الله.

وهذه التفسيرات غير متعارضة.

3.5. ليلة في قلب النهار؟

يعرّف الكتاب المقدس الليل بأنه الوقت الذي يزول فيه النور:

«وَدَعَا اللهُ النُّورَ نَهَارًا، وَالظُّلْمَةُ دَعَاهَا لَيْلًا.» (اَلتَّكْوِينُ 1.5)

وبطبيعة الحال، ليست ظلمة الصلب ليلًا عاديًا بالمعنى الفلكي.

غير أنها تتسم بعدة خصائص ترتبط عادة بالليل:

  • زوال النور؛
  • انقطاع المجرى العادي للنهار؛
  • جو من الدينونة؛
  • انفصال رمزي.

طوال ثلاث ساعات، تغرق الأرض في ظلمة غير طبيعية في منتصف النهار نفسه.

ملاحظة:

ولا تدّعي فرضيتنا أنها كانت ليلة تقويمية. بل تقترح ببساطة أن هذه الظلمة الاستثنائية يمكن اعتبارها «ليلة» خاصة في إطار الآية النبوية التي أعلنها يسوع.

3.6. لحظة موت يسوع

تشير الأناجيل إلى أن يسوع مات نحو الساعة التاسعة، أي تقريبًا نحو الساعة الثالثة بعد الظهر.

  • (إِنْجِيلُ مَتَّى 27.46-50)
  • (إِنْجِيلُ مَرْقُسَ 15.34-37)
  • (إِنْجِيلُ لُوقَا 23.46)

فموته يقع إذن مباشرة بعد فترة الظلمة هذه.

وتعاقب الأحداث لافت:

1- الظلمة تغطي الأرض.

2- يتفوه يسوع بآخر كلماته.

3- يسلم يسوع الروح.

4- ينشق حجاب الهيكل.

5- تحدث آيات استثنائية متنوعة. (إِنْجِيلُ مَتَّى 27.51-54)

وهكذا، فإن موت المسيح يقع مباشرة في امتداد هذه الظلمة الفائقة للطبيعة.

3.7. فرضية تستحق الفحص

إذا اعتمدنا صلبًا يوم الجمعة 1 نيسان (أبريل) سنة 33، نحصل على:

الليلة الأولى الممكنة:

  • الظلمة الفائقة للطبيعة من الساعة السادسة إلى التاسعة.

الليلة الثانية:

  • من مساء الجمعة إلى صباح السبت.

الليلة الثالثة:

  • من مساء السبت إلى صباح الأحد.

لا يدّعي هذا الاقتراح أنه برهان مطلق.

لكنه يتمتع بعدة مزايا:

  • فهو يحافظ على الصلب يوم الجمعة؛
  • ويحترم أقوال يسوع المتكررة عن اليوم الثالث؛
  • ويصون أهمية آية يونان؛
  • ويمنح مكانة خاصة لظاهرة رأى الإنجيليون الثلاثة أنها مهمة بما يكفي لروايتها.

3.8. خلاصة الفصل 3

  • شهد متى ومرقس ولوقا بظلمة الصلب.
  • ولا يمكن تفسيرها ببساطة بكسوف شمسي عادي.
  • وفي الكتاب المقدس ترتبط الظلمة كثيرًا بالدينونة الإلهية.
  • ويموت يسوع مباشرة بعد فترة الظلمة هذه.
  • قد تشكل هذه الظلمة عنصرًا مهمًا في فهم عبارة «ثلاثة أيام وثلاث ليال» الواردة في (إِنْجِيلُ مَتَّى 12.40).

انتقال: سيدرس الفصل 4 روايات الدفن والقيامة لتحديد عدد الأيام والليالي المذكورة صراحة عند الإنجيليين بين موت المسيا يسوع واكتشاف القبر الفارغ.

IV. الدفن والقبر وحساب الأيام والليالي

بعد دراسة ظلمة الصلب، يحسن بنا الآن أن نفحص الأحداث التي تلت موت يسوع مباشرة. فروايات الدفن والقيامة تقدم عدة إشارات زمنية ثمينة تتيح فهم كيف كان التلاميذ الأوائل يحسبون الأيام الفاصلة بين موت المسيا وقيامته.

4.1. موت يسوع قبل بدء السبت

تشير الأناجيل الأربعة إلى أن يسوع مات في يوم الاستعداد.

يروي متى:

«وَلَمَّا كَانَ الْمَسَاءُ جَاءَ رَجُلٌ غَنِيٌّ مِنَ الرَّامَةِ اسْمُهُ يُوسُفُ.» (إِنْجِيلُ مَتَّى 27.57)

ويوضح مرقس:

«وَلَمَّا كَانَ الْمَسَاءُ، إِذْ كَانَ الاسْتِعْدَادُ، أَيْ مَا قَبْلَ ...» (إِنْجِيلُ مَرْقُسَ 15.42)

ويضيف لوقا:

«وَكَانَ يَوْمُ الاسْتِعْدَادِ، وَ يَلُوحُ.» (إِنْجِيلُ لُوقَا 23.54)

ويؤكد يوحنا:

«وَكَانَ اسْتِعْدَادُ الْفِصْحِ.» (إِنْجِيلُ يُوحَنَّا 19.14)

ملاحظة:

يتفق الإنجيليون على وضع موت يسوع عشية . فلا بد إذن من إتمام الدفن سريعًا قبل غروب الشمس.

4.2. الدفن في قبر يوسف

يطلب يوسف الذي من الرامة جسد يسوع من بيلاطس.

  • (إِنْجِيلُ مَتَّى 27.58)
  • (إِنْجِيلُ مَرْقُسَ 15.43-45)
  • (إِنْجِيلُ لُوقَا 23.52-53)
  • (إِنْجِيلُ يُوحَنَّا 19.38)

ثم يأتي نيقوديموس بمزيج من المرّ والعود.

  • (إِنْجِيلُ يُوحَنَّا 19.39)

ويُلفّ الجسد بكفن ويوضع في قبر جديد.

  • (إِنْجِيلُ مَتَّى 27.59-60)
  • (إِنْجِيلُ يُوحَنَّا 19.40-42)

ويُدحرج حجر على مدخل القبر.

  • (إِنْجِيلُ مَتَّى 27.60)
  • (إِنْجِيلُ مَرْقُسَ 15.46)

ملاحظة:

يبدأ مكوث يسوع في القبر قبل غروب شمس يوم الجمعة. وفي التقويم اليهودي، يبدأ اليوم التالي عند غروب الشمس (اَلتَّكْوِينُ 1.5).

4.3. النساء يشاهدن الدفن

النساء اللواتي تبعن يسوع يشهدن وضعه في القبر.

  • (إِنْجِيلُ مَتَّى 27.61)
  • (إِنْجِيلُ مَرْقُسَ 15.47)
  • (إِنْجِيلُ لُوقَا 23.55)

ويوضح لوقا:

«فَرَجَعْنَ وَأَعْدَدْنَ حَنُوطًا وَأَطْيَابًا. وَفِي يَوْمِ اسْتَرَحْنَ حَسَبَ الْوَصِيَّةِ.» (إِنْجِيلُ لُوقَا 23.56)

ملاحظة:

تعرف النساء تمامًا أين وُضع الجسد. وهكذا تستبعد الروايات أي فرضية لالتباس في القبر.

4.4. السبت: يوم صمت

اليوم التالي للصلب هو .

ويروي متى حدثًا فريدًا:

«وَفِي الْغَدِ الَّذِي بَعْدَ الاسْتِعْدَادِ، اجْتَمَعَ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ وَ إِلَى بِيلاَطُسَ.» (إِنْجِيلُ مَتَّى 27.62)

ويطلبون حراسة عسكرية:

«يَا سَيِّدُ، قَدْ تَذَكَّرْنَا أَنَّ ذلِكَ الْمُضِلَّ قَالَ وَهُوَ حَيٌّ: إِنِّي بَعْدَ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ أَقُومُ.» (إِنْجِيلُ مَتَّى 27.63)

وعندئذ يصبح القبر:

  • مختومًا؛
  • تحت المراقبة؛
  • يحرسه جنود .

(إِنْجِيلُ مَتَّى 27.65-66)

ملاحظة:

ومن اللافت أن أعداء يسوع يتذكرون إعلانه عن القيامة، بينما يبدو أن التلاميذ لا يزالون لا يدركون مداه كاملًا.

4.5. أول الأسبوع

تضع الأناجيل كلها اكتشاف القبر الفارغ في أول يوم من الأسبوع.

  • (إِنْجِيلُ مَتَّى 28.1)
  • (إِنْجِيلُ مَرْقُسَ 16.2)
  • (إِنْجِيلُ لُوقَا 24.1)
  • (إِنْجِيلُ يُوحَنَّا 20.1)

القبر فارغ بالفعل حين تصل النساء.

ولا يصف أي إنجيل صراحة اللحظة الدقيقة التي خرج فيها يسوع من القبر.

ولا يؤكد الإنجيليون إلا أنه عند وصولهن:

  • كان الحجر قد دُحرج بالفعل؛
  • كان القبر فارغًا؛
  • كان يسوع قد قام بالفعل.

ملاحظة:

لا تقول النصوص قط إن يسوع قام عند فجر الأحد. بل تشير فقط إلى أن القبر وُجد فارغًا في ذلك الوقت.

4.6. كم يومًا يمكن إحصاؤه؟

في الفرضية التقليدية:

اليوم الأول:

  • الجمعة (يوم الصلب والدفن).

اليوم الثاني:

  • السبت (يوم ).

اليوم الثالث:

  • الأحد (يوم اكتشاف القبر الفارغ).

وهذه الطريقة في العدّ توافق تمامًا التصريحات:

  • «في اليوم الثالث» (إِنْجِيلُ مَتَّى 16.21)؛
  • «اليوم هو اليوم الثالث» (إِنْجِيلُ لُوقَا 24.21)؛
  • «وفي اليوم الثالث يقوم» (إِنْجِيلُ لُوقَا 18.33).

ملاحظة:

والتلاميذ أنفسهم يستعملون طريقة الحساب الشامل هذه. وهذا يشكل حجة قوية بوجه خاص لصالح الصلب يوم الجمعة.

4.7. كم ليلة يمكن تحديدها؟

إذا اعتمدنا الليالي التقويمية فقط، نحصل على:

الليلة الأولى:

  • من مساء الجمعة إلى صباح السبت.

الليلة الثانية:

  • من مساء السبت إلى صباح الأحد.

وتبقى الصعوبة قائمة إذن بخصوص الليلة الثالثة المذكورة في (إِنْجِيلُ مَتَّى 12.40).

وقد اقتُرحت حلول عدة:

  • صلب يوم الأربعاء؛
  • صلب يوم الخميس؛
  • قراءة اصطلاحية كاملة للعبارة؛
  • أو إدخال الظلمة الفائقة للطبيعة التي رافقت الصلب في الحساب.

ولكل فرضية مزاياها وصعوباتها.

4.8. أهمية شهادة تلميذَي عمواس

تشكل رواية تلميذَي عمواس أحد أهم عناصر الملف.

في يوم الأحد نفسه، يوم القيامة، يصرّحان:

«هُوَذَا اليَوْمُ ثَالِثُ يَوْمٍ مُنْذُ حَدَثَ ذلِكَ.» (إِنْجِيلُ لُوقَا 24.21)

وقد قيل هذا التصريح:

  • من معاصرين للأحداث؛
  • في اليوم نفسه؛
  • بحسب الأعراف اليهودية في عصرهما.

ملاحظة:

ولو كان يسوع قد صُلب يوم الأربعاء أو الخميس، لصعب تفسير سبب حديث هذين التلميذين ما زال عن «اليوم الثالث».

وتؤكد شهادتهما أن التسلسل الزمني التقليدي من الجمعة إلى الأحد يوافق طريقتهما في حساب الزمن.

4.9. خلاصة الفصل 4

  • دُفن يسوع قبل بدء .
  • ويبقى جسده في القبر خلال .
  • ويوجد القبر فارغًا في أول يوم من الأسبوع.
  • ويعدّ التلاميذ هذا الأحد «اليوم الثالث».
  • فالصعوبة لا تتعلق إذن بالأيام الثلاثة، بل بالليالي الثلاث فقط في (إِنْجِيلُ مَتَّى 12.40).
  • وتبقى الظلمة الفائقة للطبيعة التي سبقت موت يسوع عنصرًا قادرًا على إلقاء الضوء على هذه المسألة.

انتقال: سيدرس الفصل 5 بمزيد من التفصيل المعنى الكتابي لليل والظلمة والعتمة في الكتاب المقدس، لتحديد ما إذا كان يجوز عن حق اعتبار ساعات الظلمة الثلاث في الصلب شكلًا خاصًا من «الليل» في إطار آية يونان.

5.1. التعريف الكتابي الأول لليل

V. المعنى الكتابي لليل والظلمة

يظهر أول ذكر لليل منذ رواية الخلق:

«وَدَعَا اللهُ النُّورَ نَهَارًا، وَالظُّلْمَةُ دَعَاهَا لَيْلًا.» (اَلتَّكْوِينُ 1.5)

ويستحق هذا التعريف الأساسي الانتباه.

فالنص لا يعرّف الليل أولًا بموضع فلكي للشمس ولا بساعة محددة. بل يربطه قبل كل شيء بحضور الظلمة، بينما يرتبط النهار بالنور.

ملاحظة:

ومنذ الإصحاح الأول من الكتاب المقدس، يقوم التمييز الأساسي على التقابل بين النور والظلمة.

5.2. الظلمة رمزًا للدينونة الإلهية

في مقاطع كتابية كثيرة، تظهر الظلمة كمظهر مباشر لدينونة الله.

في ضربات مصر:

«فَكَانَ ظَلاَمٌ دَامِسٌ فِي كُلِّ أَرْضِ مِصْرَ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ.» (اَلْخُرُوجُ 10.22)

ويعلن النبي يوئيل:

«يَوْمُ ظَلاَمٍ وَقَتَامٍ، يَوْمُ غَيْمٍ وَضَبَابٍ.» (يُوئِيل 2.2)

ويذكر صفنيا:

«ذلِكَ الْيَوْمُ يَوْمُ سَخَطٍ، يَوْمُ ضِيقٍ وَشِدَّةٍ، يَوْمُ خَرَابٍ وَدَمَارٍ، يَوْمُ ظَلاَمٍ وَقَتَامٍ.» (صَفَنْيَا 1.15)

ملاحظة:

وفي الفكر الكتابي، كثيرًا ما ترتبط الظلمة الاستثنائية بتدخل خاص من الله في التاريخ البشري.

5.3. الظلمة ودينونة المسيا

الصلب هو اللحظة التي يحمل فيها المسيح خطايا العالم.

  • (إِنْجِيلُ يُوحَنَّا 1.29)
  • (رِسَالَةُ بُولُسَ ٱلرَّسُولِ ٱلثَّانِيةُ إِلَى أَهْلِ كُورِنْثُوسَ 5.21)
  • (رِسَالَةُ بُطْرُسَ ٱلرَّسُولِ ٱلْأُولَى 2.24)

وفي هذا السياق، تبدو ظلمة الظهيرة ذات دلالة خاصة.

فالحدث لا يُقدَّم كمجرد ظاهرة كونية، بل كآية ترافق العمل الفدائي الذي تمّ على الصليب.

ويصبح التوازي مع دينونات الله في العهد القديم جليًّا.

ملاحظة:

فإذا كانت ظلمة مصر تُظهر دينونة الله على فرعون، فقد تُظهر ظلمة الصلب الدينونة التي وقعت على الخطية في اللحظة التي يقدّم فيها المسيا نفسه ذبيحة.

5.4. الظلمة التي أعلنها الأنبياء

يبدو أن عدة نبوات تجد صدى خاصًا في أحداث الآلام.

يقول عاموس:

«وَيَكُونُ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ، يَقُولُ السَّيِّدُ ، إِنِّي أُغْرِبُ الشَّمْسَ فِي الظَّهِيرَةِ وَأُقْتِمُ الأَرْضَ فِي يَوْمِ نُورٍ.» (عَامُوس 8.9)

هذه الصياغة لافتة.

فالنبي لا يصف ظلمة ليلية عادية، بل إظلامًا للنهار نفسه.

وتنطبق الصورة تمامًا على ما يرويه متى ومرقس ولوقا:

  • تحل الظلمة في منتصف النهار تمامًا؛
  • وتقطع المجرى العادي لليوم؛
  • وتسبق موت المسيا مباشرة.

ملاحظة:

ومن غير الجزم بأن عاموس يتنبأ مباشرة بالصلب، يبقى التوازي لافتًا للغاية.

5.5. ليلة فائقة للطبيعة في قلب النهار

يمكن الآن صياغة السؤال المحوري لهذه الدراسة هكذا: هل ينبغي اعتبار الظلمة التي غطّت الأرض أثناء الصلب مجرد ظاهرة مدهشة، أم ليلة حقيقية فائقة للطبيعة؟

من وجهة النظر الفلكية، ليست بالطبع ليلة عادية. فالشمس تواصل مسارها الطبيعي، ويقع الحدث في منتصف النهار.

لكن من وجهة نظر الحاضرين المشهد، يختفي النور تمامًا ويحل محله الظلام. وبحسب التعريف الكتابي الأول، فإن الله «دَعَا الظُّلْمَةَ لَيْلًا» (اَلتَّكْوِينُ 1.5).

وتصف الأناجيل بالضبط حالة تحل فيها الظلمة محل النور في وضح النهار (إِنْجِيلُ مَتَّى 27.45 ؛ إِنْجِيلُ مَرْقُسَ 15.33 ؛ إِنْجِيلُ لُوقَا 23.44-45).

ولذلك نقترح أن نعتبر هذه الظلمة ليلة استثنائية ومعجزية، أدخلها الله في المجرى العادي ليوم الصلب.

5.6. هل مات يسوع أثناء هذه الليلة؟

تشير الروايات الإنجيلية إلى أن الظلمة تبدأ في الساعة السادسة وتنتهي في الساعة التاسعة.

وفي أثناء هذه الفترة يظل يسوع حيًّا على الصليب.

ثم، في نهاية هذه الظلمة، يصرخ صرخة عظيمة ويسلم الروح (إِنْجِيلُ مَتَّى 27.46-50 ؛ إِنْجِيلُ مَرْقُسَ 15.34-37 ؛ إِنْجِيلُ لُوقَا 23.46).

لا تتيح النصوص تحديد ما إذا كان يسوع قد مات قبل لحظات من زوال الظلمة تمامًا أو في اللحظة التي عاد فيها النور بدقة مطلقة. غير أن الحدثين يبدوان وثيقي الارتباط.

وفي هذا المنظور، نقترح أن يسوع مات أثناء هذه الليلة الفائقة للطبيعة أو فور انتهائها، وأن موته لم يُعاين إلا بعد عودة النور.

فيكون الانتقال من الليل إلى النهار رمزًا لدخول المسيا في الموت.

5.7. اقتراح لحساب الأيام الثلاثة والليالي الثلاث

إذا اعتُمدت هذه الفرضية، أمكن فهم الحساب على النحو التالي:

الليلة الأولى:

  • الظلمة الفائقة للطبيعة التي غطّت الأرض أثناء الصلب (إِنْجِيلُ مَتَّى 27.45).

اليوم الأول:

  • عودة النور بعد موت المسيا.

الليلة الثانية:

  • ليلة الجمعة إلى السبت.

اليوم الثاني:

  • .

الليلة الثالثة:

  • ليلة السبت إلى الأحد.

اليوم الثالث:

  • أول يوم من الأسبوع، يوم القيامة (إِنْجِيلُ مَتَّى 28.1 ؛ إِنْجِيلُ مَرْقُسَ 16.2 ؛ إِنْجِيلُ لُوقَا 24.1 ؛ إِنْجِيلُ يُوحَنَّا 20.1).

يحافظ هذا الاقتراح على مجمل المعطيات الزمنية في الأناجيل، مع إعطاء معنى خاص لذكر «ثلاثة أيام وثلاث ليال» في (إِنْجِيلُ مَتَّى 12.40).

5.8. حدود الفرضية

ومع ذلك، ينبغي التزام الحذر.

فلا يؤكد أي نص كتابي صراحة:

«ظلمة الظهيرة هي أولى الليالي الثلاث.»

فنحن إذن في مجال التفسير لا في مجال التقرير العقائدي.

ويجب تقييم هذه الفرضية بحسب عدة معايير:

  • انسجامها مع مجمل الكتب المقدسة؛
  • قدرتها على التوفيق بين النصوص؛
  • احترامها للتسلسل الزمني الإنجيلي؛
  • خلوها من التناقض مع سائر أقوال يسوع.

ملاحظة:

قد تكون الفرضية معقولة دون أن تكون قابلة للبرهنة المطلقة. والهدف ليس فرض نتيجة، بل فحص المعطيات الكتابية بأمانة.

5.9. خلاصة الفصل 5

  • يربط الكتاب المقدس الليل أساسًا بالظلمة (اَلتَّكْوِينُ 1.5).
  • كثيرًا ما ترتبط الظلمة الفائقة للطبيعة بالدينونة الإلهية (اَلْخُرُوجُ 10.22 ؛ يُوئِيل 2.2 ؛ صَفَنْيَا 1.15).
  • وساعات الظلمة الثلاث في الصلب حدث استثنائي أقرّ به عدة إنجيليين.
  • وتحدث هذه الظلمة بالضبط في اللحظة التي يحمل فيها يسوع خطية العالم.
  • فمن الممكن إذن أن تشارك في رمزية «الليالي الثلاث» في آية يونان.
  • غير أن هذا التفسير يبقى فرضية تفسيرية ينبغي مقابلتها بمجمل المعطيات الكتابية.

انتقال: سيدرس الفصل 6 أبرز الحلول المقترحة عبر تاريخ التفسير لمسألة «الأيام الثلاثة والليالي الثلاث»، لمقارنة نقاط قوتها وحدودها بالفرضية المطروحة في هذه الدراسة.

VI. أبرز تفسيرات «الأيام الثلاثة والليالي الثلاث»

منذ القرون الأولى للمسيحية، سعى المفسرون إلى فهم كيفية التوفيق بين تصريح يسوع في (إِنْجِيلُ مَتَّى 12.40) وروايات الآلام والقيامة. وقد اقتُرحت حلول عدة. ولكل منها نقاط قوة وصعوبات. وقبل تقييم فرضيتنا الخاصة، يحسن بنا إذن أن نفحصها.

6.1. الحل التقليدي: الحساب اليهودي الشامل

يرى الموقف الأقدم والأوسع انتشارًا أن يسوع صُلب يوم الجمعة وقام يوم الأحد.

ويقوم هذا التفسير على مبدأ الحساب الشامل المستعمل في العالم اليهودي.

وبحسب هذه الطريقة:

  • كل جزء من اليوم يُحسب يومًا كاملًا؛
  • ويُحسب يوم الصلب اليوم الأول؛
  • ويشكل اليوم الثاني؛
  • والأحد هو اليوم الثالث.

ويستند هذا المنهج إلى عدة نصوص:

  • (إِنْجِيلُ مَتَّى 16.21)
  • (إِنْجِيلُ لُوقَا 24.7)
  • (إِنْجِيلُ لُوقَا 24.21)
  • (رِسَالَةُ بُولُسَ ٱلرَّسُولِ ٱلأُولَى إِلَى أَهْلِ كُورِنْثُوسَ 15.4)

ويستفيد أيضًا من توازي سفر إستير:

«صُومُوا لأَجْلِي وَلاَ تَأْكُلُوا وَلاَ تَشْرَبُوا ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ لَيْلًا وَنَهَارًا.» (أَسْتِير 4.16)

ثم:

«وَفِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ لَبِسَتْ أَسْتِيرُ ثِيَابَ الْمُلْكِ.» (أَسْتِير 5.1)

ملاحظة:

يفسّر هذا الحل تفسيرًا تامًّا التعبيرين «في اليوم الثالث» و«بعد ثلاثة أيام». لكن يرى بعضهم أنه يجيب بصورة أقل مباشرة عن الذكر الصريح لـ«الليالي الثلاث» في (إِنْجِيلُ مَتَّى 12.40).

6.2. فرضية الصلب يوم الخميس

يقترح بعض الكتّاب أن يسوع مات يوم الخميس.

ويصبح المخطط عندئذ:

  • الخميس: الصلب؛
  • الجمعة: أول يوم كامل؛
  • السبت: ثاني يوم كامل؛
  • الأحد: اليوم الثالث.

ويتيح هذا الاقتراح الحصول على:

  • ثلاثة أيام؛
  • ثلاث ليال تقويمية.

غير أن صعوبات عدة تظهر.

فتلميذا عمواس يصرّحان يوم الأحد:

«وَلكِنْ مَعَ هذَا كُلِّهِ، اليَوْمَ لَهُ ثَلاَثَةُ أَيَّامٍ مُنْذُ حَدَثَ ذلِكَ.» (إِنْجِيلُ لُوقَا 24.21)

والحال أنه لو حدث الصلب يوم الخميس، لكان الأحد يوافق اليوم الرابع بحسب طريقة الحساب المعتادة.

ملاحظة:

تحل هذه الفرضية مسألة الليالي لكنها تعقّد عدة تصريحات صريحة في الأناجيل.

6.3. فرضية الصلب يوم الأربعاء

تضع نظرية أخرى الصلب يوم الأربعاء.

ويرى أنصارها عمومًا أن «الأيام الثلاثة والليالي الثلاث» ينبغي أن تُفهم على أنها اثنتان وسبعون ساعة بالضبط.

والمخطط المقترح عندئذ:

  • بعد ظهر الأربعاء: موت يسوع؛
  • الخميس: اليوم الأول؛
  • الجمعة: اليوم الثاني؛
  • السبت: اليوم الثالث؛
  • القيامة في نهاية .

وتتيح هذه النظرية فعلًا الحصول على ثلاثة أيام وثلاث ليال كاملة.

غير أنها تواجه عدة صعوبات:

  • فهي تُلزم غالبًا بالتمييز بين عدة سبوت متعاقبة؛
  • وتجعل رواية النساء أكثر تعقيدًا؛
  • وتنسجم بصعوبة مع (إِنْجِيلُ لُوقَا 24.21)؛
  • وتفترض أحيانًا أن يسوع قام قبل اكتشاف القبر الفارغ بعدة ساعات.

ملاحظة:

وتفضّل هذه الفرضية القراءة الحرفية لمتى 12.40 لكنها تتطلب إعادة بناء زمنية إضافية كثيرة.

6.4. التفسير الاصطلاحي المحض

يرى مفسرون آخرون أن عبارة «ثلاثة أيام وثلاث ليال» مجرد صيغة سامية مكافئة لـ«ثلاثة أيام».

وبحسب هذا المنهج:

  • لا توجد صعوبة حقيقية؛
  • يجب تفسير متى 12.40 مثل إستير 4,16–5.1؛
  • و«الليالي الثلاث» لا قيمة زمنية مستقلة لها.

ويتميز هذا الحل ببساطته.

غير أن بعض القراء يرون أنه لا يفسّر تفسيرًا كاملًا كون يسوع يذكر الليالي صراحة، مع أنه كان بإمكانه أن يقول ببساطة «ثلاثة أيام».

ملاحظة:

فيبقى السؤال: لماذا يحتفظ متى بهذه الصيغة الأكثر تفصيلًا؟

6.5. التفسير الرمزي

يشدد منهج آخر على طبيعة آية يونان.

وبحسب هذه القراءة:

  • لا ينصب التركيز على حساب الزمن؛
  • والجوهر يكمن في التوازي بين يونان ويسوع؛
  • فالمكوث في السمكة يرمز إلى المكوث في القبر؛
  • ونجاة يونان ترمز إلى القيامة.

ويستند هذا الفهم إلى السياق المباشر لـ(إِنْجِيلُ مَتَّى 12.39-40).

ملاحظة:

فآية يونان هي قبل كل شيء آية نبوية وكريستولوجية. وقد لا يكون هدفها الأول تقديم قياس زمني دقيق.

6.6. الفرضية المطروحة في هذه الدراسة

يسعى التفسير المقترح في هذه الدراسة إلى الحفاظ على مزايا الموقف التقليدي مع أخذ ذكر «ثلاثة أيام وثلاث ليال» على محمل الجد.

ويقوم على عدة ملاحظات:

1- تضع الأناجيل القيامة بوضوح في اليوم الثالث.

2- يتحدث التلاميذ أنفسهم عن الأحد بوصفه اليوم الثالث (إِنْجِيلُ لُوقَا 24.21).

3- ظلمة الظهيرة حدث استثنائي رواه عدة شهود مستقلين.

4- يسلم يسوع الروح أثناء هذه الظلمة الفائقة للطبيعة أو فور انتهائها (إِنْجِيلُ مَتَّى 27.45-50 ؛ إِنْجِيلُ مَرْقُسَ 15.33-37 ؛ إِنْجِيلُ لُوقَا 23.44-46).

5- يربط الكتاب المقدس الليل أساسًا بالظلمة (اَلتَّكْوِينُ 1.5).

ولذلك نقترح أن الظلمة التي غطّت الأرض من الساعة السادسة إلى التاسعة هي ليلة استثنائية أدخلها الله في قلب يوم الصلب نفسه. فيدخل يسوع في الموت أثناء هذه الليلة الفائقة للطبيعة، بينما تشير عودة النور رمزيًا إلى اليوم الأول في الحساب.

وفي هذا المنظور، يمكن فهم الليالي الثلاث على النحو التالي:

  • الليلة الفائقة للطبيعة في الصلب؛
  • ليلة الجمعة إلى السبت؛
  • ليلة السبت إلى الأحد.

وتكون الأيام الثلاثة حينئذ:

  • عودة النور بعد موت المسيا؛
  • السبت؛
  • أول يوم من الأسبوع، يوم القيامة.

ملاحظة:

يحافظ هذا الاقتراح كاملًا على التسلسل الزمني التقليدي للأناجيل، مع إعطاء دلالة خاصة لظلمة الصلب ولذكر «ثلاثة أيام وثلاث ليال» في آية يونان (إِنْجِيلُ مَتَّى 12.40).

6.7. أي حل يبدو الأكثر انسجامًا؟

يجب أن تحترم كل محاولة للتوفيق عدة معايير:

  • مجمل المعطيات الكتابية؛
  • أقوال يسوع؛
  • روايات الإنجيليين؛
  • شهادة تلميذَي عمواس؛
  • الأعراف الزمنية اليهودية في القرن الأول.

ويجب على الحل المعتمد أيضًا أن يتجنب خلق صعوبات أكثر مما يحلّ.

والحال أن عدة فرضيات بديلة تتطلب إعادة بناء معقدة لا تُذكر صراحة قط في الأناجيل.

وعلى العكس، يقوم التسلسل الزمني التقليدي مباشرة على أصرح ما في النصوص من تأكيدات.

6.8. خلاصة الفصل 6

  • يبقى الموقف التقليدي من الجمعة إلى الأحد الأقدم والأوسع شهادةً.
  • فرضيتا الأربعاء أو الخميس تحلان بعض الصعوبات لكنهما تخلقان غيرها.
  • ويفسّر التفسير الاصطلاحي جيدًا اللغة السامية في متى 12.40.
  • ويذكّر المنهج الرمزي بأن آية يونان ليست زمنية فحسب.
  • ترى الفرضية المطروحة في هذه الدراسة أن يسوع يدخل في الموت أثناء ليلة فائقة للطبيعة سببتها ظلمة الصلب. وقد تشكل هذه الليلة الخاصة أولى الليالي الثلاث المذكورة في آية يونان، مع الحفاظ على التسلسل الزمني التقليدي للآلام.

انتقال: سيقدّم الفصل 7 خلاصة عامة للمعطيات المدروسة ويقيّم ما إذا كانت فرضية الظلمة بوصفها «الليلة الثالثة» تتيح فعلًا التوفيق بين مجمل النصوص المتعلقة بآية يونان وقيامة المسيا يسوع.

VII. خلاصة عامة وتقييم الفرضية

تبدو عدة نقاط ثابتة بوضوح في النصوص:

  • مات يسوع في يوم الاستعداد، عشية السبت (إِنْجِيلُ مَرْقُسَ 15.42 ؛ إِنْجِيلُ لُوقَا 23.54).
  • وُضع جسده في القبر قبل غروب الشمس (إِنْجِيلُ يُوحَنَّا 19.42).
  • وُجد القبر فارغًا في أول يوم من الأسبوع (إِنْجِيلُ مَتَّى 28.1 ؛ إِنْجِيلُ يُوحَنَّا 20.1).
  • كان التلاميذ يعدّون هذا الأحد «اليوم الثالث» (إِنْجِيلُ لُوقَا 24.21).
  • أعلن يسوع مرارًا أنه سيقوم «في اليوم الثالث» (إِنْجِيلُ مَتَّى 16.21 ؛ إِنْجِيلُ لُوقَا 9.22).

ملاحظة:

تشكل هذه التأكيدات الأساس الأمتن للتسلسل الزمني الإنجيلي، ويجب أن تظل لها الأولوية في كل محاولة للتفسير.

7.2. ما يضيفه متى 12.40 إلى النقاش

تنبع الصعوبة أساسًا من نص واحد:

«لأَنَّهُ كَمَا كَانَ يُونَانُ فِي بَطْنِ الْحُوتِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ وَثَلاَثَ لَيَالٍ، هكَذَا يَكُونُ ابْنُ الإِنْسَانِ فِي قَلْبِ الأَرْضِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ وَثَلاَثَ لَيَالٍ.» (إِنْجِيلُ مَتَّى 12.40)

يثير هذا التصريح صعوبة زمنية معروفة: إذا كان يسوع قد صُلب بعد ظهر يوم جمعة، ووُجد القبر فارغًا عند فجر الأحد، فكيف تُحسب «ثلاثة أيام وثلاث ليال»؟ إن الحساب السامي الشامل — الذي يُحتسب فيه كل جزء من اليوم يومًا — يحلّ بسهولة مسألة «الأيام الثلاثة». لكن ماذا عن «الليالي الثلاث»؟ في فرضية الصلب يوم الجمعة، لا تفصل بين الدفن والقيامة سوى ليلتين تقويميتين: ليلة الجمعة إلى السبت وليلة السبت إلى الأحد. فتنقص إذن ظاهريًا ليلة واحدة.

أسس الفرضية

هذه الصياغة فريدة في الأناجيل.

وفي كل موضع آخر يتكلم يسوع ببساطة:

  • عن اليوم الثالث؛
  • عن ثلاثة أيام؛
  • أو عن قيامة بعد ثلاثة أيام.

فالمشكلة لا تتعلق بمجمل إعلانات يسوع، بل بعبارة خاصة وردت في سياق آية يونان.

7.3. دور قصة يونان

أظهرت دراسة سفر يونان عدة عناصر مهمة:

  • عبارة «ثلاثة أيام وثلاث ليال» تنتمي إلى لغة سامية؛
  • لا تقدّم الرواية أي حساب دقيق بالساعات؛
  • التركيز على المكوث في مكان موت ظاهري ثم على النجاة الإلهية؛
  • يستخدم يسوع يونان صورة نبوية تعلن قيامته هو.

ملاحظة:

تبدو آية يونان توازيًا لاهوتيًّا أكثر منها حسابًا زمنيًّا يقيس بدقة مدة المكوث في القبر.

7.4. المكانة الخاصة لظلمة الصلب

تظل الظلمة التي رواها متى ومرقس ولوقا من أبرز الظواهر في الآلام.

طوال ثلاث ساعات:

  • يختفي النور؛
  • تغرق الأرض في الظلمة؛
  • تبلغ ذبيحة المسيا تمامها.

(إِنْجِيلُ مَتَّى 27.45 ; إِنْجِيلُ مَرْقُسَ 15.33 ; إِنْجِيلُ لُوقَا 23.44-45)

والحال أن الكتاب المقدس كثيرًا ما يربط:

  • الظلمة بالليل؛
  • الظلمة بالدينونة؛
  • الظلمة بتدخل الله المباشر.

(اَلتَّكْوِينُ 1.5 ; اَلْخُرُوجُ 10.22 ; عَامُوس 8.9)

ملاحظة:

فليس من غير المعقول إذن أن نتساءل عن الدلالة الخاصة لهذه الظلمة في إطار الآية النبوية التي أعلنها يسوع.

7.5. فرضية متماسكة لكنها غير قابلة للبرهنة

يمكن تلخيص الفرضية المطروحة في هذه الدراسة على النحو التالي:

  • تُفسَّر الأيام الثلاثة تفسيرًا طبيعيًا بالحساب اليهودي الشامل؛
  • الليلتان الأخيرتان هما ليلة الجمعة إلى السبت وليلة السبت إلى الأحد؛
  • ظلمة الصلب الفائقة للطبيعة ليلة استثنائية يدخل فيها يسوع في الموت؛
  • عودة النور تشير رمزيًا إلى اليوم الأول في الحساب.

يتمتع هذا الاقتراح بعدة مزايا:

  • يحافظ على التسلسل الزمني التقليدي للآلام؛
  • يحترم أقوال يسوع المتكررة التي تعلن قيامته في اليوم الثالث؛
  • يبقى متوافقًا مع شهادة تلميذَي عمواس (إِنْجِيلُ لُوقَا 24.21)؛
  • يمنح مكانة خاصة لظلمة الصلب، وهو حدث أبرزه ثلاثة إنجيليين؛
  • يتجنب إعادات البناء المعقدة التي تتطلب صلبًا يوم الأربعاء أو الخميس.

غير أنه يجب أن نعترف بأمانة بأنه لا يؤكد أي نص كتابي صراحة أن هذه الظلمة هي الليلة الأولى في آية يونان.

فنحن إذن في مجال الفرضية التفسيرية لا في مجال اليقين العقائدي.

7.6. ما لا تسعى هذه الدراسة إلى برهنته

من المهم التوضيح أن هدفنا ليس تأكيد أن هذا الحل هو الوحيد الممكن.

ويمكن الدفاع عن مناهج أخرى بجدية، ولا سيما:

  • التفسير الاصطلاحي للعبارة؛
  • التركيز على الرمزية في قصة يونان؛
  • بعض الصيغ الزمنية البديلة.

ويتلخص نهجنا ببساطة في فحص ما إذا كانت ظلمة الصلب يمكن أن تلقي ضوءًا إضافيًا على صعوبة كثيرًا ما تُثار.

7.7. الخلاصة النهائية

تتيح المعطيات الكتابية التأكيد بثقة:

  • أن يسوع مات يوم الجمعة؛
  • وأنه دُفن قبل السبت؛
  • وأنه قام في اليوم الثالث؛
  • وأن الأناجيل منسجمة في هذا التسلسل الزمني.

وتبقى مسألة «الأيام الثلاثة والليالي الثلاث» في المقام الأول مسألة تفسير لـ(إِنْجِيلُ مَتَّى 12.40) لا تناقضًا بين الروايات.

وتقدم الفرضية المفحوصة في هذه الدراسة مسارًا للتأمل يستحق الاعتبار، دون ادعاء استنفاد الموضوع.

خاتمة

أثار تصريح يسوع عن «الأيام الثلاثة والليالي الثلاث» نقاشات كثيرة عبر تاريخ المسيحية. فيرى بعضهم أن هذه العبارة تشكل صعوبة لا تُذلَّل أمام التسلسل الزمني التقليدي للآلام. غير أن الفحص المدقق للكتب المقدسة يقود إلى نتيجة مختلفة تمامًا.

تؤكد الأناجيل بالإجماع أن يسوع قام في اليوم الثالث (إِنْجِيلُ مَتَّى 16.21 ؛ إِنْجِيلُ لُوقَا 24.7 ؛ رِسَالَةُ بُولُسَ ٱلرَّسُولِ ٱلأُولَى إِلَى أَهْلِ كُورِنْثُوسَ 15.4). والتلاميذ أنفسهم يشهدون بأن أحد القيامة كان «اليوم الثالث» منذ الصلب (إِنْجِيلُ لُوقَا 24.21). وهذه المعلومات معطيات تاريخية كبرى لا يجوز التشكيك فيها.

وقد أظهرت دراسة سفر يونان أن عبارة «ثلاثة أيام وثلاث ليال» تنتمي إلى اللغة السامية وتندرج في سياق رمزي. فيسوع لا يسعى إلى إعلان مدة فحسب، بل خصوصًا إلى تقديم موته وقيامته بوصفهما تتميمًا للآية النبوية التي أعلنها يونان (إِنْجِيلُ مَتَّى 12.39-40).

ومن جهة أخرى، فإن الظلمة الاستثنائية التي غطّت الأرض أثناء الصلب حدث استثنائي رواه عدة شهود مستقلين (إِنْجِيلُ مَتَّى 27.45 ؛ إِنْجِيلُ مَرْقُسَ 15.33 ؛ إِنْجِيلُ لُوقَا 23.44-45). وبحسب الفرضية المفحوصة في هذه الدراسة، لا تمثل هذه الظلمة آية إلهية ترافق موت المسيا فحسب. بل قد تشكل أيضًا ليلة فائقة للطبيعة يدخل فيها يسوع في الموت. وتشير عودة النور حينئذ رمزيًا إلى اليوم الأول في الحساب، مما يتيح فهم كيف يمكن لآية يونان أن تجمع بين ثلاثة أيام وثلاث ليال مع الحفاظ على التسلسل الزمني التقليدي للآلام.

وفي ختام هذه الدراسة، نلاحظ أن النصوص الكتابية لا تقدم أي تناقض حقيقي. فمختلف التصريحات المتعلقة بموت المسيا يسوع ودفنه وقيامته تنسجم انسجامًا متماسكًا حين توضع في سياقها التاريخي والثقافي واللاهوتي.

والأهم من ذلك، يذكّر هذا التحليل بأن الغاية الأولى للإنجيليين لم تكن تقديم رسالة في التسلسل الزمني، بل الشهادة لحدث فريد: انتصار المسيا على الموت. فآية يونان الحقيقية ليست حساب ساعات أو أيام. إنها تكمن في أن من دخل الموت خرج حيًّا من القبر، فأتمّ بذلك الكتب وأكد هويته كابن الله (رِسَالَةُ بُولُسَ ٱلرَّسُولِ إِلَى أَهْلِ رُومِيَةَ 1.4 ؛ أَعْمَالُ ٱلرُّسُلِ 2.24-32).

لا تدّعي الفرضية المطروحة في هذه الدراسة أنها تحسم نهائيًا جميع المسائل الزمنية. لكنها تقدم تفسيرًا ممكنًا لذكر «ثلاثة أيام وثلاث ليال» يحترم في آن واحد التسلسل الزمني التقليدي للآلام واللغة الكتابية المتعلقة بالظلمة والانسجام العام لشهادة الأناجيل. وهكذا، فبدل أن يضعف هذا التأمل الثقة بالكتب المقدسة، يبرز مرة أخرى عمق الروايات الملهمة وتناغمها.