INF316

أهمية الاثني عشر

كان الرسل قد تلقوا مهمة فريدة هي الشهادة، لكنّ اختفاءهم التدريجي تحت وطأة الاضطهادات جعل تدوين تعليمهم أمرًا ضروريًا.…

11 دقيقة 14 آية 7 أسفار

أهمية الاثني عشر

كان الرسل قد تلقوا مهمة فريدة هي الشهادة، لكنّ اختفاءهم التدريجي تحت وطأة الاضطهادات جعل تدوين تعليمهم أمرًا ضروريًا.

أولًا، كان الاثنا عشر قد اختيروا ليكونوا شهود عيان لحياة المسيح يسوع وموته وقيامته (أَعْمَالُ ٱلرُّسُلِ 1.21-22). وكانت سلطتهم قائمة على ما رأوه وسمعوه (إِنْجِيلُ يُوحَنَّا 15.27؛ رِسَالَةُ يُوحَنَّا ٱلرَّسُولِ ٱلْأُولَى 1.1-3). وسيذكّر بطرس لاحقًا:

«لأَنَّنَا لَمْ نَتْبَعْ خُرَافَاتٍ مُصَنَّعَةً إِذْ عَرَّفْنَاكُمْ بِقُوَّةِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ وَمَجِيئِهِ، بَلْ قَدْ كُنَّا مُعَايِنِينَ عَظَمَتَهُ بِأَعْيُنِنَا» (رِسَالَةُ بُطْرُسَ ٱلرَّسُولِ ٱلثَّانِيَةُ 1.16).

فكان الرسل إذن الأساس التاريخي للكنيسة. وسيكتب بولس أنها:

«مَبْنِيِّينَ عَلَى أَسَاسِ الرُّسُلِ وَالأَنْبِيَاءِ، وَيَسُوعُ الْمَسِيحُ نَفْسُهُ » (رِسَالَةُ بُولُسَ ٱلرَّسُولِ إِلَى أَهْلِ أَفَسُسَ 2.20).

غير أنّ هذه الجماعة كانت عرضة للخطر بوجه خاص. فمنذ السنوات الأولى أُعدم يعقوب بن زبدي في عهد هيرودس أغريباس الأول (أَعْمَالُ ٱلرُّسُلِ 12.1-2). وسُجن بطرس مرات عديدة (أَعْمَالُ ٱلرُّسُلِ 5.18؛ أَعْمَالُ ٱلرُّسُلِ 12.3-5)، أما بولس فقد تعرّض للاضطهادات والسجن وانتهى به الأمر إلى الاستشهاد (رِسَالَةُ بُولُسَ ٱلرَّسُولِ ٱلثَّانِيةُ إِلَى تِيمُوثَاوُسَ 4.6-8). فقد كان شهود العيان المباشرون لخدمة يسوع مدعوّين إلى الزوال.

ولعلّ هذا الوضع يفسّر ظهور كتابات العهد الجديد تدريجيًا. فلوقا يؤكد منذ مقدمة إنجيله أنّ كثيرين أخذوا على أنفسهم تدوين الأحداث التي سلّمها إليهم «الَّذِينَ كَانُوا مُنْذُ الْبَدْءِ مُعَايِنِينَ» (إِنْجِيلُ لُوقَا 1.1-2). ويبيّن يوحنا أيضًا سبب كتابته:

«وَأَمَّا هذِهِ فَقَدْ كُتِبَتْ لِتُؤْمِنُوا أَنَّ يَسُوعَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ» (إِنْجِيلُ يُوحَنَّا 20.31).

ويبدو أنّ بطرس نفسه كان مدركًا لقرب موته، فعبّر عن رغبته في أن يتمكن المؤمنون من حفظ تعليمه بعد رحيله:

«وَأَجْتَهِدُ أَيْضًا أَنْ تَكُونُوا بَعْدَ خُرُوجِي تَتَذَكَّرُونَ كُلَّ حِينٍ بِهذِهِ الأُمُورِ» (رِسَالَةُ بُطْرُسَ ٱلرَّسُولِ ٱلثَّانِيَةُ 1.13-15).

من الصعب ألّا نرى في هذا التصريح إشارة إلى الحاجة إلى شهادة باقية لا تتوقف على بقاء الرسل أحياءً.

وهكذا انتقلت الكنيسة تدريجيًا من تقليد شفوي في أساسه، يحمله شهود أحياء، إلى تقليد مكتوب غايته أن يحفظ شهادتهم بأمانة. وتبدو الأناجيل والرسائل الوريثَ الطبيعيَّ لهذه المهمة الرسولية. وكلما رحل الشهود، صارت كتاباتهم الوسيلة المفضّلة لنقل الإيمان إلى الأجيال التالية.

وكان آباء الكنيسة في القرنين الثاني والثالث على وعي تام بهذه الاستمرارية. فقد أكّد إيريناوس أسقف ليون أنّ الرسل كرزوا أولًا شفاهةً، ثم سلّموا كتابةً ما كان سيصير أساس الإيمان المسيحي. ومن جهته يروي أوسابيوس القيصري أنّ تلاميذ الرسل شعروا بالحاجة إلى حفظ شهادتهم كتابةً حين بدأ الرسل يرحلون.

ويمكن إذن أن نعتبر أنّ أسفار العهد الجديد تمثّل، بشكل ما، امتدادًا للشهادة الرسولية. فقد كان الناس فانين ومعرّضين للاضطهاد، أما شهادتهم فكان لا بدّ أن تبقى إلى انقضاء الدهر (إِنْجِيلُ مَتَّى 24.35). ولهذا، بعد رحيل الرسل، لم تسعَ الكنيسة بعد ذلك إلى إعادة تكوين هيئة جديدة من الاثني عشر، بل التفتت إلى تراثهم المكتوب، معتبرةً إياه مرجعًا ملزِمًا وكافيًا للتعليم والتقويم وتدريب المؤمنين (رِسَالَةُ بُولُسَ ٱلرَّسُولِ ٱلثَّانِيةُ إِلَى تِيمُوثَاوُسَ 3.16-17).